فخر الدين الرازي

266

تفسير الرازي

يعودون لما نهوا عنه ) * واختلفوا في أنهم من هم ؟ فقال الأكثرون : هم اليهود ، ومنهم من قال : هم المنافقون ، ومنهم من قال : فريق من الكفار ، والأول أقرب ، لأنه تعالى حكى عنهم فقال : * ( وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله ) * ، وهذا الجنس فيما روي وقع من اليهود ، فقد كانوا إذا سلموا على الرسول عليه السلام قالوا : السام عليك ، يعنون الموت ، والأخبار في ذلك متظاهرة ، وقصة عائشة فيها مشهورة . ثم قال تعالى : * ( ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وإذا جاؤوك حيوك بما لم يحيك به الله ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قال المفسرون : إنه صح أن أولئك الأقوام كانوا يتناجون فيما بينهم ويوهمون المؤمنين أنهم يتناجون فيما يسوءهم ، فيحزنون لذلك ، فلما أكثروا ذلك شكا المسلمون ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمرهم أن لا يتناجوا دون المسلمين ، فلم ينتهوا عن ذلك وعادوا إلى مناجاتهم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وقوله : * ( ويتناجون بالإثم والعدوان ) * يحتمل وجهين أحدهما : أن الإثم والعدوان هو مخالفتهم للرسل في النهي عن النجوى لأن الإقدام على المنهي يوجب الإثم والعدوان ، سيما إذا كان ذلك الإقدام لأجل المناصبة وإظهار التمرد . والثاني : أن الإثم والعدوان هو ذلك السر الذي كان يجري بينهم ، لأنه إما مكر وكيد بالمسلمين أو شيء يسوءهم . المسألة الثانية : قرأ حمزة وحده ، ( ويتنجون ) بغير ألف ، والباقون : * ( يتناجون ) * ، قال أبو علي : ينتجون يفتعلون من النجوى ، والنجوى مصدر كالدعوى والعدوي ، فينتجون ويتناجون واحد ، فإن يفتعلون ، ويتفاعلون ، قد يجريان مجرى واحد ، كما يقال : ازدوجوا ، واعتوروا ، وتزاوجوا وتعاوروا ، وقوله تعالى : * ( حتى إذا اداركوا فيها ) * ( الأعراف : 38 ) وادركوا فادركوا افتعلوا ، وادركوا تفاعلوا وحجة من قرأ : * ( يتناجون ) * ، قوله : * ( إذا ناجيتم الرسول ) * ( المجادلة : 12 ) * ( وتناجوا بالبر والتقوى ) * ( المجادلة : 9 ) فهذا مطاوع ناجيتم ، وليس في هذا رد لقراءة حمزة : ينتجون ، لأن هذا مثله في الجواز ، وقوله تعالى : * ( ومعصية الرسول ) * قال صاحب الكشاف : قرىء ( ومعصيات الرسول ) ، والقولان ههنا كما ذكرناه في الإثم والعدوان وقوله : * ( وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله ) * يعني أنهم يقولون في تحيتك : السام عليك يا محمد والسام الموت ، والله تعالى يقول : * ( وسلام على عباده الذين اصطفى ) * ( النمل : 59 ) و * ( يا أيها الرسول ) * و * ( يا أيها النبي ) * ثم ذكر تعالى أنهم * ( يقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول ) * يعني أنهم